قبل أن ننسى: "حقوق المواطن" ليست بدعة غربية..
د. أحمد خيري العمري - القدس العربي
طالب عربي يدرس في واحدة من الجامعات الأمريكية المرموقة تعرض لإساءة لفظية من قبل أحد أساتذته، لن أقول إنها إساءة كبيرة، لكنها إساءة على أي حال، تضمنت تعريضاً غير مبرر بالدولة التي ينتمي لها الطالب والتي لم يزرها الأستاذ، ولا تفسير لهذا غير الحكم المسبق الذي يمتلكه هذا الأستاذ عن العرب والمسلمين عموما..
ولأن هذا الطالب ينتمي لواحدة من الدول العربية النادرة التي – تحترم - مواطنيها فقد اتصل فورا بسفارة بلده طالباً منها التدخل... السفارة لم تغرق الطالب وطلبه في بيروقراطية "كتابنا وكتابكم" المعتادة، بل اتصلت على الفور بإدارة الجامعة وطالبت بحزم باعتذار علني يقدمه الأستاذ للطالب وقد وافقت الجامعة على ذلك، وهذا ما كان.
لن أقول لكم "احزروا اسم الدولة العربية التي تعامل مواطنيها بهذا الاحترام" فهذا ليس هو موضوعي على الإطلاق، لكني سأذكر هنا أمرين:
الأول: إن الطالب ليس ابنا لمسؤول أو شقيقاً لوزير أو قريبا للعائلة الحاكمة من قريب أو بعيد، أي إن تدخل السفارة لم يكن بناءاً على الواسطة أو العلاقة الشخصية كما يحدث في معظم دولنا، كان الطالب مجرد طالب آخر من بين مئات الطلاب الذين يدرسون على نفقة حكومة بلده واتصل بالسفارة على الأرقام الاعتيادية ووجد موقفا يسنده قولاً وفعلا خلال دقائق.
الأمر الثاني: إن السفارة لم تنجر إلى تسييس غير مجدي وبيروقراطي للقضية، فقط كان هناك تلميح إلى عدم ابتعاث طلاب آخرين إلى تلك الجامعة وإلى نقل الموجودين منهم إلى جامعة أخرى، وهي لغة "مادية" يفهمها الغربيون جيدا ويزداد فهمهم لها في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية... هذا مع العلم بأن السفارة لم تنحز إلى الطالب الذي ربما يكون مخطئا وربما لا، لكنها فصلت خطأه المحتمل عن تعميم ذلك على بلده... كما إن استخدام كلمة "التمييز" discrimination يثير خوفا مباشرا من اللجوء إلى القضاء وهي لغة مفهومة في الغرب أيضا ومرة أخرى يزيد فهمهم لها في الأزمات الاقتصادية حيث يؤدي اللجوء إلى القضاء إلى دفع تعويضات مالية كبيرة تتجنبها المؤسسات الكبيرة حاليا...
شخصيا فرحت جدا للطالب الذي أدّت سفارة بلده واجبها في حمايته والانتصار لكرامته، كما إني لا أنكر شعوري بالشماتة عندما علمت بالحرج الذي تعرض له الأستاذ المسيء...
لكن بعد قليل، تبخر شعوري بالفرح وحل محله شعور عميق بالمرارة... ذلك أن العرب والمسلمين الذين يمكنهم أن يفعلوا ما فعل الطالب ويحصلون في الوقت نفسه على ما لقاه من دعم، هم قلائل جدا بل وشبه معدومين، إلا إن كانوا أقرباء لمسئولين في بلدانهم...
على العكس من ذلك، لا أتوقع أن أحدا من مواطني بلدي سيفكر في الاتصال بسفارة بلده، هذا إن كان لديه رقمها أصلا! وكذلك الحال بالنسبة لمعظم الدول العربية للأسف... هناك سوء ظن مسبق مبني على تجارب تاريخية... وسوء معاملة سفاراتنا لمواطنيها هو في النهاية جزء من سوء معاملة أوطاننا لنا، وهو أيضا جزء من الأسباب التي تجعل المواطنين عندنا يصطفون منذ الفجر أمام سفارت أخرى، آملين بمعاملة أفضل في أوطان الآخرين!
تذكرت ما حدث لي منذ قرابة الشهرين عندما وجدت أن الخطوط الجوية البريطانية مناسبة للموعد الذي أرغب الوصول فيه إلى واشنطن، وطلبت أن أحجز تذكرة عليها، يومها تلعثمت موظفة الحجز طويلا قبل أن تعتذر مني وتقول إن هذا غير ممكن "في حالتي"، لم أفهم ما الذي تقصده، وأكدت لها أن تأشيرتي قانونية تماما، لكنها تلعثمت مجددا قبل أن تقول "إن الخطوط الجوية البريطانية ترفض نقل العراقيين"!
هكذا بكل بساطة: العراقيون كلهم، مرة واحدة!
سألتها إن كان ذلك يشمل مواطني دول عربية أخرى اتهم مواطنوها بما يعرف بالإرهاب... لكنها أجابتني بالنفي "لا، فقط العراقيين"... قلت لها: لكننا لم نخطف ولا حتى طائرة واحدة! لكن ذلك كله لم يكن من اختصاص الموظفة التي كانت في النهاية تنفذ التعليمات...
شعرت بذل لا حدود له، لا لشيء إلا لأني أعرف أن حكومة بلدي – التي هي في أحسن حالات علاقاتها ببريطانيا لأسباب لا تخفى- لا تأبه ولن تأبه للأمر... ولن تحاول إزالة هذا التمييز الذي يلحق بشعب كامل دون سبب واضح أو غير واضح...
شعرت بذل وأنا أتخيل أن الخطوط البريطانية التي تمنع العراقيين كلهم دون أن يرف لها جفن لن تستطيع مثلا أن تمنع حاملي فيروس الإيدز مثلا أو المتحولين جنسيا من الركوب في طائراتها، لأن هؤلاء سيكون خلفهم مؤسسات تحميهم وتطالب بحقوقهم، أما العراقيون فهم مشردون في المنافي بلا ظهر يحميهم وعليهم أن يتدبروا أمورهم إما بأبتلاع الإهانات والتعود عليها (وسب من تسبب بها!) أو بالرد عليها بمثلها وأكثر(الاحذية هنا ستكون خيارا رائجا!) ولكن الاتصال بالسفارة سيكون أمرا مستبعدا جدا، بل إن المواطنين يحملون هم الذهاب إلى السفارة لإنجاز معاملة ما، أكثر من أي شيء آخر... (ولا يمكن هنا إنكار أن بعض موظفي السفارات يتصرفون استثناء على نحو أخلاقي تماما وفي منتهى التعاون، لكن هذا يعود لشخوصهم وليس لأسلوب السفارات في التعامل مع المواطنين).
لم ينتهي أمر الذل هنا، فعندما حجزت على خطوط عربية متجهة إلى واشنطن، كان خط الرحلة يتضمن التوقف في عاصمة دولة شقيقة لمدة أربع عشرة ساعة، وهذا يتضمن الإقامة في فندق كما هو الأمر مع كل ترانزيت يتجاوز وقته الاثنتي عشرة ساعة... لكني فوجئت مجددا أن العراقيين (والفلسطينين المقيمين في دولة معينة) لا يحق لهم الخروج من المطار... وعليهم قضاء الأربع عشرة ساعة كيفما كان (بالنوم على الارض مثلا!)...
جلدني ذلي يومها بلا هوادة، أدهشني كيف إن تلك معلومة بدهية يعرفها الجميع سواي، وإن كل ما يبدر تجاهها هو لعنة كل من أوصلنا لما وصلنا إليه (وهي لعنة عامة ولا تضم فردا محددا كما يحلو للبعض أن يتصور، بل لعلها تشمل مجموعة مفتوحة من الأشخاص الذين تعاونوا رغم اختلافاتهم على إيصالنا إلى هنا... وتعاوننا معهم أيضا! ولكن هذا موضوع آخر...)...
أستطيع أن أسطر الأوراق في الندب والبكاء على العراق الذي كان، يوم كان العراقيون لا يركبون الخطوط الجوية البريطانية فحسب بل ولا يتسوقون إلا من لندن، أستطيع أن أذكر بما يعرفه الجميع من أفضال للعراق على دول تحتجزنا حاليا في قاعات الترانزيت... لكن هذا كله، أيضا، خارج الموضوع... فالأمر هو أن معظم دولنا العربية تحترف تعويد مواطنيها على التعايش مع الذل... قد تختلف درجة الذل من دولة إلى أخرى، لكننا عموماً كلنا في الذل شرق!
بالنسبة للكثيرين، الخروج من التعايش مع الذل يكون عبر الحصول على "جواز سفر" آخر ينتمي إلى دولة تحترم مواطنيها، وهذا منطقي تماما في السياق الفردي، لكني لا أريد أن أروج له الآن لأني ذكرت كل ما سبق لأدلل على أن احترام الدولة لمواطنيها ليس بدعة غربية لا تنمو إلا في المناطق الباردة...!
وها هي دولة عربية أصر على عدم ذكر اسمها تنتصر لمواطنها الذي أصر أيضا على أنه ليس ابنا لمسئول أو قريبا لوزير... وتجبر الأستاذ على الاعتذار العلني.
لقد تعودنا الذل وألفناه حتى صرنا نعد أحترام المواطن بدعة غربية، وصرنا نعتبر أن هذه الدولة التي انتصرت لمواطنها إنما فعلت ذلك لأنها مضت شوطا في عملية التغريب!
ليس هناك ما هو أبعد من ذلك عن الحقيقة... لا أحب كثيرا أن أمجّد تاريخنا لكي لا يكون ذلك تخديرا عن واقع سيء... لكن لا يمكن أيضا أن نلغي إيجابياته التي كانت يوم كنّا (أو التي كنّا يوم كانت؟!): هل نسينا ذلك الخليفة العظيم الذي كان يحاسب نفسه لو تعثرت دابة في واحدة من ولاياته؟ هل نسينا أن مواطنا ذميا قاضى الخليفة وحكم له القضاء لأن الخليفة لم يمتلك أدلة تسنده؟... بل كيف استهلكنا صرخة "وامعتصماه" وابتذلناها في مزايداتنا الخطابية والشعرية وغفلنا عن
معناها الأهم: الوقوف لحق مواطن تعرض للإساءة... وهذا الوقوف لا يعني بالضرورة استنفار الجيوش (خاصة جيوشنا العربية التي ينطبق عليها مثل "أسد عليّ وفي الحروب نعامة"!)... ولكن يمكن أن يتم تحصيل حق هذا المواطن بوسائل وقنوات مختلفة على قدر الإساءة...
إذن المواطنة وحقوقها ليست عندهم فقط، وحدوثها ليس مستحيلا عندنا كما يحاول البعض أن يروج إما بدافع اليأس العفوي أو بدافع التيئيس المدروس...
نعم هناك تاريخ من الذل والتعود عليه وفتاوى سلطانية تروج الطاعة للمتغلب مهما كان ومهما فعل ومهما انتهك من حقوقي وحقوق سواي، لكن جيناتنا الأصلية، القرآنية والنبوية، تحتوي على ما هو غير ذلك، تحتوي بذور المواطنة الحقة بتوازن الحقوق والواجبات... وقد حدث ذلك تاريخيا ويمكن اعتبار هذه الدولة وموقفها من مواطنيها دليلا معاصرا على إمكانية حدوث ذلك... وعلينا أن نحاول جاهدين بكل الوسائل على أن نساهم في إعادة بناء أوطاننا بشكل يجعلها تحترم مواطنتنا
في الداخل والخارج...علينا ان نؤصل مفهوم المواطنة على أسس جديدة و متينة..
سيبدو الأمر صعبا جدا لدرجة أن الحصول على "جواز سفر" أجنبي يحل مشكلتك سيبدو أسهل بكثير...
وهذا صحيح، لكن جواز السفر الأجنبي ليس سوى طوق نجاة فردي، ليس سوى قارب إنقاذ صغير قد يتسع لك ولأفراد عائلتك (وقد يودي بهم إلى هاوية أخرى لاحقا، ولكن هذا مرة أخرى موضوع آخر!)... أما التغيير الشامل فهو إصلاح المركب نفسه... المركب الذي يوشك على الغرق والذي يفر منه الجميع تباعاً... ربما جزء كبير من مشكلتنا أننا نفكر بترتيب قارب الإنقاذ والإعداد له أكثر مما نفعل لإصلاح المركب...
بالمناسبة، واحد من أصدقائي أكّد لي أن سفارة دولته ستكون مهتمة أيضا لو حصل الأمر مع واحد من طلابها... لكنها ستطلب من الطالب أن يأتي فورا للسفارة، وعندما يأتي، سيتم باختصار تذكيره بأن السفارة هي امتداد لأقبية المخابرات في الوطن العزيز... وستكون تهمته محاولة الإساءة للعلاقات مع دولة صديقة!
|